عبد الفتاح القصري.. عبقري أضحك العالم وأبكته «طعنات المقربين»
كتب: رانيا عبد البديع
تمر اليوم ذكرى ميلاد أحد أعمدة البهجة في تاريخ الفن العربي، الفنان القدير عبد الفتاح القصري، الذي لم يكن مجرد ممثل كوميدي، بل كان ظاهرة فنية متفردة صاغت مفردات الضحك لدى أجيال متعاقبة. القصري الذي تخرج في مدارس "الفرير" الفرنسية وضحى بثروة والده "الجواهرجي" من أجل عشقه للمسرح، عاش حياةً كانت الكوميديا واجهتها، والتراجيديا عمقها المظلم.
تميمة الحظ في عصر العمالقة
لم يكتفِ القصري بكونه "سنيداً" لكبار النجوم مثل نجيب الريحاني وإسماعيل ياسين، بل كان القوة الضاربة في كل عمل يشارك به. استطاع بعبقريته الفطرية أن يحول شخصية "ابن البلد" و"المعلم" إلى مدرسة في الأداء، تاركاً خلفه إرثاً من الإيفيهات التي لا تزال تتردد في الشارع المصري والعربي وكأنها قيلت بالأمس.
صرخة حقيقية وسط ضحكات الجمهور
شهدت خشبة المسرح الفصل الأكثر قسوة في حياة القصري؛ فبينما كان يؤدي دوره ببراعة دهمته نوبة مفاجئة من فقدان البصر نتيجة مضاعفات مرض السكر. صرخ القصري بمرارة قائلًا: "أنا مش شايف.. نظري راح"، والمفارقة المبكية أن الجمهور ضج بالضحك والتصفيق الحار، ظناً منهم أن صرخته ليست سوى إبداع جديد في الأداء الكوميدي، بينما كانت تلك اللحظة هي إعلان انطفاء نور حياته الفنية.
خريف البطل.. غدر وعزلة
لم تكن العتمة التي أصابت عينيه هي الوجع الوحيد، بل كانت "طعنات المقربين" هي الأكثر إيلاماً؛ حيث واجه خيانة قاسية من زوجته الأخيرة التي جردته من كافة ممتلكاته وتركته يصارع المرض والوحدة في غرفة متهالكة بحي الشرابية. عاش القصري سنواته الأخيرة بعيداً عن صخب الأضواء التي عشقها، محاصراً بجحود البشر، حتى رحل عن عالمنا في مارس 1964.
رحل عبد الفتاح القصري جسداً، لكنه بقي في ذاكرة السينما كـ "صانع بهجة" لم ترحمه الأيام، تاركاً خلفه قصة إنسانية تؤكد أن أعظم الكوميديانات هم غالباً الأكثر شجناً في كواليسهم الخاصة.


