مفاجأة.. شادية وصلاح السعدني الأبطال الأصليين لمسرحية مدرسة المشاغبين
كتب: محمود عبد العظيم
عندما تُذكر "مدرسة المشاغبين" يخطر في البال فورًا أبطالها الذين صنعتهم تلك المسرحية وارتبطت ملامحهم بنجاحها لعقود. لكن ما لا يعرفه كثيرون أنّ هؤلاء النجوم لم يكونوا المرشحين الأوائل، بحسب رواية الصحفية عبير عبد الوهاب في بودكاست فلاش باك، حيث أكدت مستندة على مراجع أنّ الأدوار التي نراها اليوم على المسرح لم تُكتب لهم أصلًا، بل مرّت برحلة طويلة من الترشيحات والاعتذارات والخلافات والصدف، حتى وُلدت النسخة التي صارت واحدة من أهم المسرحيات في تاريخ الكوميديا المصرية.
هذه القصة ليست مجرد كواليس فنية، بل هي توثيق لمرحلة كاملة، لفرقة كانت تعاني أزمات مالية، ولنجوم كانوا في بداية الطريق أو قمّته، ولخيارات كان يمكن أن تغيّر شكل المسرح العربي لو سارت في اتجاه آخر
ومن هنا تبدأ الحكاية…
شادية… البطلة الأصلية التي لم تظهر
قد يبدو غريبًا أن البطلة الأولى التي وُضعت أمامها شخصية “أبلة عفت” لم تكن سهير البابلي… ولا نجلاء فتحي… بل شادية.
الحكاية بدأت حين قرر المنتج سمير خفاجي أن يقدم مسرحية جديدة تعوّض خسائر الفرقة. في البداية اختار هالة فاخر لتجسيد دور الأبلة، ووافقت بالفعل وبدأت البروفات بحماس غير عادي. كانت ترى أن الدور يمكن أن ينقلها نقلة حقيقية، ولم تكن تعرف بما كان يدور وراء الكواليس.
المنتج، رغم موافقته الأولى، كان يرغب في بطلة “أكثر شهرة” لتجذب الجمهور، فبدأ يرشّح أسماء أخرى من دون علم هالة فاخر. هالة كانت تتدرب يوميًا حتى آخر الليل، بينما المفاوضات كانت مستمرة مع كل نجمات مصر تقريبًا.
شويكار… الرفض الذي غيّر مسار المسرح
أول من فكّر فيه سمير خفاجي كانت شويكار. لكن علاقتها في ذلك الوقت بفؤاد المهندس وسمير خفاجي كانت تمرّ بتوتر، فرفضت.
المفارقة أنّ أهم الأدوار المسرحية التي رفضتها شويكار—منها “ريّا وسكينة” و“مدرسة المشاغبين”—صارت لاحقًا من أشهر الأعمال في تاريخ المسرح المصري.
نجلاء فتحي… الترشيح الذي سقط بسبب سؤال
المرشحة التالية كانت نجلاء فتحي، ووافقت مبدئيًا، وتم الاتفاق على التفاصيل الفنية والمالية.
لكن أثناء توقيع العقد طرحت سؤالًا أربك الجميع:
“هتحتاجوني أيام إيه؟”
وعندما قيل لها إن المسرح عرض يومي، استغربت وأجابت:
“طب لو في يوم ماليش مزاج أعرض؟”
وبهدوء شديد أنهى سمير خفاجي الاتفاق، وانتقل إلى ترشيح جديد.
شادية مجددًا… القلق من الوقوف على المسرح
عاد المنتج لمرشحة جديدة بحجم شادية، وقد أبدت حماسًا شديدًا للدور. أعجبها النص، لكن خوفها القديم من الوقوف على المسرح جعلها تعتذر. ومن أراد التأكد من قصة خوف شادية من المسرح، يكفي الرجوع إلى حكايتها في “ريا وسكينة” وكيف اتخذت قرار اعتزال خشبة المسرح قبل أن تعود إليها.
ومع اعتذار شادية، كان الباب يُفتح لترشيحات جديدة لا تقل إثارة.
بين نادية لطفي وسعاد حسني وسميرة أحمد… رحلة بحث لا تنتهي
لم يتوقف سمير خفاجي عند اسم واحد. قائمة الترشيحات صارت تضم:
• نادية لطفي
• سعاد حسني
• زيزي البدراوي
• سميرة أحمد
رواية المؤلف علي سالم تقول إنّ سميرة أحمد طلبت 500 جنيه، وهو مبلغ اعتُبر كبيرًا وقتها، فسقط الاتفاق. أما سميرة نفسها، فقد قالت في “الستات”، إن سبب الرفض أنها “محستش إن الدور شبهها”. وأضافت أنها كانت تسمع طرقات سمير خفاجي على بابها مساء لإقناعها بالدور، لكنها لم تكن تفتح بسبب إلحاحه.
وتعلق الكاتبة هنا بلمسة إنسانية جميلة:
“أنا متأكدة إن كلمة (بالليل) عند سميرة أحمد معناها الساعة 6 المغرب، لأنها تنام مبكرًا جدًا، وكنت كثيرًا أكلمها الساعة 8 فأسمعها تقول بفزع: هو في حاجة؟ ده أنا داخلة أنام!”
هالة فاخر… الخروج من أجل الكرامة
وسط كل هذه الترشيحات، كانت هالة فاخر تمثل الدور يوميًا دون أن تعرف أنها على وشك خسارته. وعندما وصلتها الأخبار، شعرت بوجع حقيقي. الدور كان فرصة عمرها، لكنها اختارت أن تحافظ على كرامتها، فاعتذرت بمحض إرادتها.
وهنا دخلت سهير البابلي.
سهير البابلي… الموافقة على مضض
لم تكن سهير في حالة انبهار بالدور. فهي فنانة لها وزن كبير في المسرح القومي، وقدّمت أعمالًا مهمة ومعقدة، فاعتبرت “مدرسة المشاغبين” عملاً خفيفًا.
لكنها وافقت لأن التجربة جديدة، ولأن المسرح الخاص يعطي أجرًا أعلى من المسرح القومي.
المفاجأة أنها غضبت بعد النجاح.
فقد صرّحت أكثر من مرة أنها شعرت بالضيق لأن الناس في الشارع لم تعد تناديها بأسماء شخصياتها الثقيلة من المسرح القومي، بل بـ“أبلة عفت”.
وبرأيها: كيف يصبح الدور الكوميدي الخفيف أشهر من عشر سنوات كاملة قدمت فيها روايات من العيار الثقيل؟
الأمر نفسه حدث للمؤلف علي سالم الذي اعتبر نجاح المسرحية “ظلمًا” لتاريخه، بعدما صار لقبه “مؤلف مدرسة المشاغبين”.
أدوار الرجال… مفاجآت لا تقل أهمية
بعد الاستقرار على دور الأبلة، جاء وقت اختيار الطلاب والمعلمين.
لكن المفاجأة أن المسرحية كانت مبنية على ثلاثة أدوار رئيسية للطلبة:
عادل إمام – سعيد صالح – صلاح السعدني
ثلاثي أصدقاء كلية الزراعة.
صلاح السعدني… ضياع الدور الأهم
كان صلاح السعدني مرشحًا لدور “أحمد”، وكان الدور آنذاك أكبر وأكثر درامية. بدأ بالفعل البروفات، لكنه تلقى عرضًا من المسرح القومي لمسرحية باللغة الفصحى.
تردّد بين ما اعتبره “مسرحية تافهة” وبين مسرح قومي “عظيم”.
فاختار القومي، دون أن يعلم أنه يتخلى عن عمل سيعيد تشكيل المسرح الحديث تمامًا.
انتقل الدور إلى أحمد زكي، لكنه “اتبهدل”، كما وصفه كثيرون. فقد حُذف منه الكثير، وتحوّل إلى دور شبه صامت، وهو ما أزعج أحمد زكي لسنوات.
حضرة الناظر… مدبولي قبل حسن مصطفى
لم يكن حسن مصطفى هو الناظر الأصلي.
الدور كُتب لـ عبد المنعم مدبولي، وكان أعلى أجرًا في الفرقة. أما حسن مصطفى فكان سيؤدي دور “الأستاذ ملواني”، الذي قدّمه لاحقًا عبد الله فرغلي.
ولأن الميزانية كانت ضعيفة، طلب المنتج من جلال الشرقاوي أن “يتصرف”. فاختار ثلاثة من طلاب معهد الفنون المسرحية:
• يونس شلبي
• أحمد زكي
• هادي الجيار
وكانت أجورهم بين 20 و30 جنيهًا فقط، بينما كان عادل إمام يتقاضى 70 جنيهًا، وسعيد صالح 80 جنيهًا، ومدبولي 670 جنيهًا.
الاعتراضات أثناء بروفات الترابيزة
بدأت البروفات، ومعها بدأت الاعتراضات:
• مدبولي رأى أن دوره يتراجع من الفصل الثالث.
• عادل إمام قال إن شخصية “بهجت الأباصيري” ليست كوميدية بما يكفي، وشبهها بدور يمكن أن يؤديه “شكري سرحان”.
• سعيد صالح لم يعترض.
• الطلاب الثلاثة اعتبروا وجودهم في المسرحية “فرصة عمر”.
مسرحية صنعت جيلًا… رغم أنها كانت “تجربة صغيرة”
لم يتوقع أحد أن تتحول هذه المسرحية، التي دخلها البعض على استحياء، ورفضها آخرون باعتبارها “خفيفة”، إلى واحدة من علامات المسرح العربي.
وأن تصنع نجومية طاغية لعادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي، وأن تكون محطة مهمة في مشوار أحمد زكي، وأن تصبح “أبلة عفت” أشهر أدوار سهير البابلي.
هذه الحكاية ليست مجرد كواليس، بل دليل على أن الفن لا يُقاس بالنوايا الأولى، وأن ما يرفضه فنان قد يصبح أسطورته لو قبله، وما يراه آخر “دورًا بسيطًا” قد يصبح بوابته للخلود.




