Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

ثلاثة أجيال من المزارعين الجدد تشهد تحوّل الزراعة في الصين

 كتب:  يانغ ينغ إعلامية صينية
 
ثلاثة أجيال من المزارعين الجدد تشهد تحوّل الزراعة في الصين
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

عند الرابعة فجراً، لم تكن بكين قد استيقظت بعد، لكن سوق شينفادي كان قد دخل ذروة نشاطه. شاحنات محمّلة بالخضروات والفواكه تتدفق من مختلف أنحاء الصين، قبل أن تنطلق مجدداً لتصل إلى موائد ملايين الأسر.


منذ تأسيسه عام 1988، شهد سوق شينفادي خلال ثمانية وثلاثين عاماً تحوّلاً كبيراً: من سوق مفتوح بسيط في جنوب بكين إلى أكبر سوق للمنتجات الزراعية بالجملة في آسيا، وإلى مركز أساسي يضمن إمدادات العاصمة من الخضروات والفواكه.


غير أن قصة شينفادي لا تختزلها الأرقام وحجم التداول. فالتغيرات التي شهدها السوق تعكس مسار ثلاثة أجيال من «المزارعين الجدد» الذين شكّلوا معاً صورة مصغّرة لتطور نظام تداول المنتجات الزراعية في الصين.


فمن مرحلة ضمان الإمدادات وترسيخ السوق، إلى بناء العلامات التجارية وتطوير سلاسل الإمداد، وصولاً إلى البث المباشر والتجارة الرقمية — ثلاثة أجيال سلكت طرقاً مختلفة، لكنها أسهمت جميعاً في تحديث الزراعة الصينية وربطها بالأسواق الحديثة.


 
الجيل الأول.. ترسيخ السوق وضمان إمدادات العاصمة

في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كان نظام تداول المنتجات الزراعية في الصين لا يزال في طور التأسيس. فالبنية السوقية كانت ضعيفة، وقواعد التجارة لم تستقر بعد، كما لم يكن تسويق المنتجات الزراعية في المدن أمراً سهلاً.


وفي هذا السياق تأسس سوق شينفادي عام 1988، ليتحمل مهمة أساسية تتمثل في ضمان إمدادات العاصمة بكين.
يتذكر تشانغ يوشي، أحد مؤسسي السوق، أن شينفادي رسّخ منذ سنواته الأولى تقليداً يعكس روح المسؤولية لدى العاملين فيه. فمنذ عام 1990، اعتاد السوق في ليلة رأس السنة الصينية طهي الزلابية للتجار الذين يبقون في السوق خلال عيد الربيع لضمان استمرار الإمدادات.


ومع مرور السنوات، تحول هذا التقليد إلى رمز للالتزام الجماعي بضمان الإمدادات الغذائية للمدينة. وخلال عيد الربيع هذا العام، بقي في السوق أكثر من ألف أسرة من التجار لضمان استمرار تدفق السلع.


ولا يقتصر دور السوق على هذه المبادرات الرمزية، بل يتمثل أساساً في الحفاظ على استقرار الإمدادات. فوفق إدارة السوق، يبلغ الحد الأدنى اليومي للإمدادات نحو 20 ألف طن من الخضروات و12 ألف طن من الفواكه، بينما ترتفع الكميات خلال موسم الأعياد لتتجاوز 25 ألف طن من الخضروات و15 ألف طن من الفواكه يومياً.


لقد واجه الجيل الأول من العاملين في شينفادي التحدي الأكثر أساسية: ضمان وجود الغذاء في المدينة وتنظيم حركة التجارة الزراعية. وبفضل اجتهادهم وخبرتهم في السوق، وضعوا الأسس التي سمحت للمنتجات الزراعية بالانتقال بثبات من مناطق الإنتاج إلى المدن.
 


الجيل الثاني.. من تجارة الجملة إلى بناء العلامات التجارية

مع استقرار السوق وتزايد المنافسة، بدأ بعض التجار في شينفادي التفكير في نموذج جديد للأعمال. فبيع المنتجات الزراعية بالجملة لم يعد كافياً لتحقيق نمو مستدام.


ومن هنا ظهرت فكرة تحويل المنتجات الزراعية إلى علامات تجارية ذات جودة ومعايير واضحة.
يعد ليو ونبو أحد أبرز ممثلي هذا الجيل. فقد بدأ تجارة الكرز في أواخر التسعينيات، ثم التحق بسوق شينفادي عام 2003، ليصبح لاحقاً أحد أكبر تجار الكرز في السوق.


ومع توسع نشاطه، لم يعد يكتفي بالبيع في السوق، بل بدأ في إنشاء قواعد إنتاج للكرز في مناطق مختلفة من الصين بهدف التحكم في الجودة من المصدر وتعزيز تنافسية الكرز المحلي.


أما وانغ شانهو، وهو رائد أعمال آخر من هذا الجيل، فقد اختار مساراً مختلفاً عبر تطوير سلسلة توريد للمواد الغذائية تخدم المدارس في بكين.


بدأ وانغ نشاطه عام 2007 بفريق صغير لا يتجاوز أربعة أشخاص، مقتصراً على بيع صناديق الهدايا البحرية. ومع مرور الوقت توسعت أعماله لتشمل الخضروات والمواد الغذائية الأساسية، حتى تحولت شركته إلى مؤسسة تضم أكثر من 320 موظفاً وتتعاون مع مئات المدارس ورياض الأطفال في العاصمة.


وتعكس تجربة هذا الجيل تحوّلاً مهماً في سوق المنتجات الزراعية: الانتقال من مجرد بيع السلع إلى بناء العلامات التجارية وتطوير الخدمات وإدارة سلاسل الإمداد.
 

الجيل الثالث.. نقل السوق إلى الإنترنت

مع انتشار الإنترنت وتغير أنماط الاستهلاك، بدأت الحدود التقليدية للأسواق تتلاشى. فلم يعد الكشك في السوق هو نافذة البيع الوحيدة، بل أصبح البث المباشر عبر الإنترنت منصة تجارية جديدة.
في هذا السياق برز الجيل الثالث من رواد الأعمال في شينفادي، الذين نشأوا في عصر الإنترنت ويجيدون استخدام البيانات والمنصات الرقمية.


وي ناننان، المولود عام 1991، بدأ عمله في سوق شينفادي وهو في سن المراهقة، حيث اكتسب خبرة في تجارة الجملة وسلاسل الإمداد. وفي عام 2024 قرر دخول مجال البث المباشر للتجارة الإلكترونية.


وبالاعتماد على شبكة الموردين التي بناها خلال سنوات عمله في السوق، أنشأ قاعدة للبث المباشر تضم عدة استوديوهات، وبدأ في تسويق الفواكه الاستوائية والمنتجات الطازجة عبر الإنترنت، مع خدمات توصيل سريعة داخل بكين.


وقد تحولت المبيعات تدريجياً من بضعة آلاف من اليوانات في البث الأول إلى ملايين اليوانات للمنتج الواحد.


أما رائد الأعمال تشو تيان، المولود عام 1988، فقد دخل المجال نفسه عبر تسويق الكرز التشيلي في البث المباشر. ومع نمو الطلب عبر الإنترنت، توسع فريقه من بضعة أشخاص إلى نحو ستين موظفاً، وارتفعت مبيعاته اليومية إلى مئات الآلاف من اليوانات.


ويمثل هذا الجيل مرحلة جديدة في تطور تجارة المنتجات الزراعية، حيث لم تعد المنافسة تعتمد فقط على السعر أو الكمية، بل أيضاً على الكفاءة والبيانات والسرعة في التوزيع.


 
مسيرة ثلاثة أجيال.. من تأمين الغذاء إلى خلق القيمة

قبل نحو أربعة عقود، كان التحدي الأكبر في شينفادي هو ضمان الإمدادات الغذائية للعاصمة. وبعد سنوات، أصبح التركيز على تحسين الجودة وبناء العلامات التجارية. أما اليوم، فقد أصبح السؤال الأهم هو كيفية دمج الزراعة في الاقتصاد الرقمي.


لقد أسس الجيل الأول نظام السوق، وطوّر الجيل الثاني العلامات التجارية وسلاسل الإمداد، بينما يقود الجيل الثالث التحول نحو التجارة الرقمية.


ومن خلال هذا المسار، لم يعد المزارع مجرد منتج للغذاء، بل أصبح أيضاً رائد أعمال وصانع علامة تجارية ومديراً لسلسلة إمداد.


وهكذا تعكس قصة شينفادي تحوّلاً أوسع في الزراعة الصينية من الإنتاج التقليدي إلى اقتصاد زراعي حديث يعتمد على العلامات التجارية والتكنولوجيا الرقمية.


وعند الرابعة فجراً، لا يزال السوق نابضاً بالحياة: عمال يفرزون الفواكه، وتجار ينسقون الطلبات، ورواد أعمال يقدمون منتجاتهم في غرف البث المباشر.


ثلاثة أجيال في السوق نفسه، لكنهم عاشوا عصوراً مختلفة:
من بسطات البيع البسيطة،
إلى صناعة العلامات التجارية،
ثم إلى التجارة الرقمية.
إنها قصة سوق، لكنها أيضاً قصة تحول الزراعة في الصين.
وفي ظل مسيرة النهوض بالمناطق الريفية، يواصل «المزارعون الجدد» ربط الأرض بالمدينة بطرق مبتكرة، ليمنحوا الزراعة قيمة اقتصادية جديدة.
وهذا — في جوهره — أحد تجليات الديناميكية المتجددة للاقتصاد الصيني