من «آدي الربيع» إلى «الدنيا ربيع».. كيف غابت بهجة الحفلات الحية عن شاشة التلفزيون؟
كتب: رانيا عبد البديع
"أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتى كاد أن يتكلم"؛ هكذا وصف البحتري قديماً فصل الجمال، وهكذا استقبلته الأغنية المصرية عبر عقود، كونه موسماً لتجدد الأمل وتورق الأشجار. إلا أن عيد الربيع هذا العام يحل وسط أجواء إقليمية معقدة، أدت لتراجع الفعاليات الفنية، مما أعاد طرح التساؤل الملح: أين اختفت حفلات الربيع التي كانت تشكل وجدان الأسرة المصرية في "الزمن الجميل"؟
دستور شم النسيم
منذ عام 1949، حين قدم الموسيقار فريد الأطرش أغنيته الشهيرة "آدي الربيع" ضمن فيلم "عفريتة هانم"، تحولت الأغنية إلى نشيد رسمي لموسم الاعتدال. الأغنية التي كتبها مأمون الشناوي، أصبحت بصوت الأطرش علامة مسجلة في كافة المحافل، يناجي فيها النيل والنسيم والورد بأسلوب كلاسيكي فريد، جعل من وجوده على المسرح طقساً لا يكتمل العيد بدونه.
صراع العمالقة وبهجة السندريلا
لم يكن الربيع حكراً على صوت واحد، بل كان "مباراة" فنية راقية؛ فبينما كان عبد الحليم حافظ يحجز مكانه في قلوب الشباب بحفلاته السنوية التي قدم في آخرها عام 1976 روائع مثل "قارئة الفنجان"، كانت سعاد حسني تضفي مسحة من الانطلاق مع "الدنيا ربيع". بكلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، تحولت الأغنية إلى "أيقونة" بصرية وصوتية تختصر معنى التفاؤل والبهجة الشعبية.
هذا التنوع امتد ليشمل قامات مثل صالح عبد الحي في "ليه يا بنفسج"، وأسمهان في "يا بدع الورد"، وصولاً إلى كوكب الشرق أم كلثوم التي غنت للورد بكلمات أحمد رامي وبيرم التونسي، مما جعل من الربيع "موسماً للريادة" الغنائية المصرية.
غياب "المايسترو" التلفزيوني
ويرى خبراء الفن أن رحيل هؤلاء العمالقة لم يكن مجرد غياب لأصواتهم، بل كان بمثابة توقف لمنظومة إنتاجية ضخمة كان يقودها التلفزيون المصري. وفي شهادة سابقة للإذاعي القدير وجدي الحكيم، أشار بمرارة إلى أن حفلات الربيع كانت تمثل حالة من التفاؤل الجماعي، معتبراً أن عجز الشاشة الصغيرة حالياً عن استعادة بريق تلك الليالي يمثل فجوة كبيرة في المشهد الثقافي، رغم وفرة المواهب الشابة.
اليوم، وبينما تغيب الحفلات الحية التي تجمع الأسر أمام الشاشات، يبقى الأرشيف الغنائي هو الملاذ الوحيد لاستعادة بهجة مفقودة، كانت تصنعها حناجر العمالقة تحت أضواء المسرح وفي قلوب الملايين.


