من عماد حمدي إلى شادية.. محطات روحية في حياة «الشعراوي» بذكرى ميلاده
كتب: رانيا عبد البديع
تحل اليوم ذكرى ميلاد إمام الدعاة الشيخ محمد متولي "الشعراوي"، الذي لم يكن مجرد عالم دين استثنائي، بل كان ظاهرة إنسانية واجتماعية فريدة. استطاع "الشعراوي" بأسلوبه الممتنع أن يكسر الجمود بين المؤسسة الدينية والمجتمع الثقافي، ليتحول منزله إلى "قبلة" لنجوم الفن الذين بحثوا لديه عن إجابات لأسئلة الروح وحيرة النفس، بعيداً عن صرامة الفتاوى وبمنطق "الحكمة والموعظة الحسنة".
فلسفة الاحتواء: الفن رسالة لا تصادم
لم ينظر الشيخ "الشعراوي" إلى الفن بوصفه "عدواً"، بل آمن بأنه مرآة للمجتمع يمكن تطويعها لخدمة القيم. كان يرى أن الكلمة الطيبة والعمل النظيف هما جوهر الرسالة المحمدية، وهو ما جعله نموذجاً متوازناً في تعامله مع المبدعين؛ فكان الناصح الصديق الذي يوجه دون قسوة، ويقوم دون تشهير.
عماد حمدي.. زيارة في قلب العزلة
من أكثر المواقف التي تجسد إنسانية "الشعراوي" هي زيارته للفنان القدير عماد حمدي في أوج أزمته النفسية. فبينما كان "فتى الشاشة الأول" يعاني من اكتئاب حاد أدى لاعتزاله الناس، ذهب الشيخ إلى منزله وطرق بابه بنفسه. لم يكتفِ "الشعراوي" بالدعاء له، بل جلس معه طويلاً يواسيه ويخرجه من ظلمات اليأس إلى رحابة الرضا، في موقف يعكس دور الداعية كباحث عن المتعبين لا منتظرٍ لهم.
تحية كاريوكا.. "رأساً لا رقصاً"
وفي المدينة المنورة، سجلت الذاكرة موقفاً طريفاً جمع بين هيبة الشيخ وخفة ظل الفنانة تحية كاريوكا. عندما حاولت الوصول إليه وسط الزحام قائلة: "انصب طولك يا سيدنا الشيخ وبص في وشي"، رد عليها بمداعبة تعكس ذكاءه الاجتماعي: "لو عرفت أنكِ أنتِ التي تناديني لكنت جئت إليكِ رأساً لا رقصاً". كانت هذه الكلمات البسيطة جسراً من الود انتهى بتأثر كاريوكا وبكائها، لتتوطد علاقتهما القائمة على الاحترام المتبادل.
شادية وليلى مراد.. رحلة البحث عن الطمأنينة
كان لقاء "الشعراوي" بالفنانة شادية في مكة المكرمة نقطة تحول جذرية في حياتها. بكلمة واحدة طمأن بها قلبها حول مغفرة الله، فتح لها طريقاً جديداً من العبادة والالتزام. ولم تكن شادية وحدها، بل كانت الفنانة ليلى مراد من المريدين لدروسه، معبرة عن ارتباطها الروحي بالقرآن وبشخص الشيخ الذي كان يمثل لها الأمان النفسي في سنواتها الأخيرة.
حسن عابدين.. حينما يرفض الشيخ الاعتزال
رفض "الشعراوي" أن يترك "أهل الثقة" الساحة الفنية للفراغ؛ ففي موقف شهير مع الفنان حسن عابدين الذي فكر في الاعتزال خوفاً من شبهة الحرام، استقبله الشيخ بحفاوة بالغة قائلاً: "لو الناس الكويسة زيك سابت الفن.. الناس تسمع لمين؟". كانت هذه العبارة بمثابة "تأصيل شرعي" للفن الهادف، ودفعاً للمبدعين لتقديم ما ينفع الناس.
يبقى الشيخ "الشعراوي" في ذكرى ميلاده نموذجاً للداعية الذي لم يضع حواجز بين الدين والحياة، بل جعل من الإيمان طاقة حب واستيعاب، مبرهناً على أن الطريق إلى الله يسع الجميع، وأن الفن حين يتزين بالقيم يصبح جزءاً من معركة الوعي والبناء.


