في ذكرى عرضه.. «البوسطجي» من فلسفة ديستويفسكي إلى واقعية حسين كمال الصادمة
كتب: رانيا عبد البديع
تمر اليوم ذكرى عرض فيلم "البوسطجي" (1968)، أحد أعمدة السينما الواقعية التي لم تكتفِ بنقل صورة الريف المصري، بل غاصت في أعماق النفس البشرية وصراعاتها الطبقية والمجتمعية. الفيلم الذي أخرجه حسين كمال عن قصة الأديب يحيى حقي، يظل نموذجاً سينمائياً فريداً نجح في تحويل النص الأدبي "دماء وطين" إلى ملحمة بصرية صادمة حجزت مكانها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.
بين فلسفة "الأبله" وواقع "كوم النحل"
كشف الأديب يحيى حقي في مذكراته أن شخصية "عباس" (البوسطجي)، التي جسدها الفنان شكري سرحان، لم تكن مجرد موظف بريد مغترب، بل استلهمها من روح رواية "الأبله" لديستويفسكي. ذلك الشخص المحايد الذي يقتحم مجتمعاً مغلقاً (قرية كوم النحل)، وبمجرد تطفله على أسرار الناس عبر فتح رسائلهم، يفجر صراعات دفينة، ليتحول من مجرد مراقب إلى "قنطرة" تعبر عليها الشخصيات نحو مصيرها المأساوي.
كواليس الاندماج: زيزي مصطفى في مواجهة سكين "منصور"
اتسم تنفيذ الفيلم بواقعية مفرطة بلغت ذروتها في مشهد النهاية الشهير. فبسبب الاندماج الكامل للفنان صلاح منصور في شخصية "العمدة" المتمسك بموروثات الشرف البالية، كادت الفنانة زيزي مصطفى أن تفقد حياتها؛ حيث أصيبت بجرح حقيقي في صدرها أثناء تصوير مشهد الذبح، مما عكس القسوة التي أراد المخرج إيصالها للمشاهد دون تجميل.

الصدق البيئي والمنع من المهرجانات الدولية
أصر المخرج حسين كمال على التصوير في قرية "النخيلة" بأسيوط، رافضاً الاستوديوهات لضمان "صدق الكادر". ومع هذا التفوق الفني وحصد الفيلم لـ 9 جوائز محلية، إلا أن "سوداوية النهاية" ومشهد الذبح الصادم كانا حائلاً دون دخول الفيلم المهرجانات الأوروبية، التي اعتبرت وقتها أن تنفيذ المشهد يتسم بقسوة غير مبررة درامياً، رغم دفاع يحيى حقي عن رؤية المخرج بوصفه "قائد الأوركسترا".

نقد السعدني: "خيارة وسط حقل فجل"
لم يخلُ عرض الفيلم من سجالات نقدية، كان أبرزها مقال الكاتب الساخر محمود السعدني، الذي وصف الفيلم بعبارته الشهيرة: "ظهر البوسطجي كالخيارة وسط حقل فجل"، دلالةً على تميزه الفني وسط موجة الأفلام التجارية السائدة آنذاك. ورغم اتهامه لصناع العمل بالاقتباس من فيلم "زوربا"، إلا أنه اعتبر الفيلم "بشرة خير" لولادة كاتب سيناريو متميز هو صبري موسى.
يبقى "البوسطجي" شاهداً على عبقرية جيل استطاع تطويع الفلسفة العالمية لتشريح الواقع المحلي، ليظل بعد مرور عقود طويلة مرجعاً لكل من يبحث عن سينما "اللحم والدم" التي تواجه المجتمع بمرآة الحقيقة مهما كانت مؤلمة.


