طارق مصباح يكشف العلاقة بين المسرح والسينما وكيف جمعت بينهما الأسطورة الإغريقية
كتب: نورهان الصباغ
في قراءة جديدة لعلاقة المسرح بالسينما، صدر للمخرج والدكتور الأكاديمي طارق مصباح كتابه النقدي «المعالجة الدرامية للأسطورة الإغريقية.. ميديا بين مسرحية يوربيديس وفيلمي بازوليني ولارس فون تراير»، والذي يفتح بابًا واسعًا للتأمل في كيفية انتقال الأسطورة من خشبة المسرح القديمة إلى لغة السينما الحديثة، وما يطرأ عليها من تحولات فكرية وجمالية عبر العصور.
ويطرح الكتاب رؤية نقدية تتجاوز حدود الدراسة التقليدية، إذ يناقش كيف استطاعت الأساطير الإغريقية أن تبقى حيّة وقابلة لإعادة التفسير، رغم تغير الأزمنة والوسائط الفنية. فمن خلال شخصية “ميديا”، يكشف المؤلف عن قدرة الفن على إعادة اكتشاف الإنسان وأسئلته الكبرى المتعلقة بالحب والانتقام والخيانة والسلطة والاغتراب.
ويتخذ الكتاب من نص “ميديا” للشاعر الإغريقي يوربيديس نقطة انطلاق، قبل أن ينتقل إلى المعالجة السينمائية التي قدمها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، حيث تتحول الأسطورة إلى رؤية بصرية مشبعة بالطقوس والرموز والصدام الحضاري، ثم يقارنها بتجربة المخرج الدنماركي لارس فون تراير الذي أعاد تقديم “ميديا” بلغة نفسية أكثر قتامة وحداثة، تكشف هشاشة الإنسان المعاصر وصراعاته الداخلية.
ولا يكتفي المؤلف بالمقارنة بين النصوص والأفلام، بل يتتبع أيضًا كيفية استقبال الأسطورة قديمًا وحديثًا، موضحًا أن جمهور المسرح الإغريقي كان يتعامل مع “ميديا” باعتبارها جزءًا من الوعي الجمعي والطقس الثقافي، بينما أصبح المتلقي المعاصر يقرأها بوصفها مرآة للأسئلة النفسية والاجتماعية والسياسية الراهنة.
ويكشف الكتاب عن اختلاف أدوات التعبير بين المسرح والسينما؛ فبينما اعتمد المسرح الإغريقي على الكلمة والشعر والبناء التراجيدي، منحت السينما للأسطورة فضاءً بصريًا جديدًا يعتمد على الصورة والإيقاع والموسيقى والرمز، وهو ما يجعل كل معالجة فنية تعكس روح عصرها ورؤية صانعها.
ويؤكد الدكتور طارق مصباح، من خلال هذه الدراسة، أن الأسطورة ليست حكاية من الماضي، بل بنية درامية متجددة تستطيع الفنون المختلفة إعادة إنتاجها وفق تحولات المجتمع والوعي الإنساني، وهو ما يفسر استمرار حضور “ميديا” في المسرح والسينما حتى اليوم.
ويُعد الكتاب إضافة نقدية مهمة للمكتبة العربية في مجال الدراسات المقارنة بين المسرح والسينما، خاصة في ما يتعلق بتناول الأسطورة الإغريقية وتحوّلاتها الفنية والفكرية، عبر نماذج تطبيقية تكشف ثراء النص الأسطوري وقدرته الدائمة على الإلهام وإعادة التأويل.


