Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

لماذا تضع الصين خططًا خمسية؟

 كتب:  مشيرة جيوي
 
لماذا تضع الصين خططًا خمسية؟
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

في عالم اليوم، أصبحت دول كثيرة تولي أهمية متزايدة للتخطيط المتوسط والطويل المدى، وفي العالم العربي، من «رؤية مصر 2030» إلى الخطط التنموية التي أطلقتها السعودية وقطر والإمارات لآفاق تمتد عشر سنوات أو أكثر، بات التخطيط طويل المدى أداة أساسية لدفع التحول الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

أما الصين، فبدورها تولي أهمية كبيرة لهذا النوع من التخطيط، وليس ذلك اهتمامًا مؤقتًا، بل هو نتيجة ممارسة مؤسسية متواصلة على مدى عقود طويلة، شكّلت مسارًا تنمويًا مستقرًا وقابلًا للاستمرار.


وعلى خلاف بعض الدول التي تعتمد أساسًا على وثائق رؤية بعيدة المدى، فإن الصين تحقق أهدافها طويلة المدى من خلال خطط خمسية متتابعة، فمنذ إعداد أول خطة خمسية عام 1953، وضعت الصين ونفّذت أربع عشرة خطة خمسية متتالية، هذه الخطط ليست منفصلة عن بعضها، بل مترابطة ومتكاملة، وتشكل معًا جزءًا مهمًا من الاستراتيجية العامة للتنمية في الصين.

وفي إطار هذا التخطيط المتواصل، تُدفع أهداف التنمية خطوة بعد خطوة، ويصبح اتجاه الحوكمة الوطنية أكثر وضوحًا على المدى المتوسط والطويل.


ولفهم الخطط الخمسية في الصين، من المهم إدراك أنها ليست مجرد خطط اقتصادية، بل تصميم شامل لتنمية الدولة، فهي تهتم بالنمو الاقتصادي، وتشمل أيضًا الابتكار العلمي والتكنولوجي، والإدارة الاجتماعية، وتحسين معيشة المواطنين، والتنمية الإقليمية المتوازنة، والانفتاح على الخارج. وبفضل التخطيط، تتحول الأهداف العامة إلى مهام مرحلية قابلة للتنفيذ، ما يجعل السياسات أكثر استمرارية وقابلية للتوقع.


وتكمن ميزة هذا الأسلوب في أنه يوفر إطارًا زمنيًا مستقرًا للتنمية. ففي بيئة دولية معقدة ومتغيرة، لا يمكن تجنب الصدمات قصيرة الأجل وحالات عدم اليقين الخارجي، لكن التخطيط متوسط وطويل المدى يساعد الدولة على الحفاظ على ثباتها الاستراتيجي، وعدم تغيير الاتجاه عند كل تقلب مؤقت، وبالنسبة للشركات، يقدم التخطيط إشارات سياسية واضحة؛ وبالنسبة للمجتمع، يساعد على بناء توقعات أساسية للمستقبل؛ أما بالنسبة للحكومة، يعد التخطيط أداة مهمة لتنسيق السياسات بين القطاعات والمستويات المختلفة.


وتقف الصين اليوم عند نقطة زمنية مهمة، فمع اقتراب اكتمال تنفيذ الخطة الخمسية الرابعة عشرة ودخولها مرحلة التقييم، بدأت الصين بالفعل التخطيط المنهجي لفترة «الخطة الخمسية الخامسة عشرة». ويرتبط هذا المسار ارتباطًا وثيقًا بانعقاد «الدورتين السنويتين» أي الاجتماعات السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب والمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني.

ووفقًا لقرار اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، ستناقش الدورتان هذا العام قضايا كبرى تتعلق بالتنمية المتوسطة والطويلة المدى، بما في ذلك أعمال الإعداد للخطة الخمسية الخامسة عشرة. وهذا يعني أن الصين ستبدأ رسميًا، على المستوى المؤسسي، جولة جديدة من إعداد وتصميم خطة خمسية جديدة.


فالخطة الخمسية ليست أداة رئيسية لصنع السياسات في الصين فحسب، بل هي أيضًا نافذة مهمة لفهم منطق التنمية الصينية، ومن خلالها، يمكن إدراك لماذا تؤكد الصين على النظرة طويلة المدى، وكيف تحافظ على استمرارية السياسات وسط التغيرات، وكيف توازن بين الاستقرار والتعديل في مسار التنمية.


ومن منظور أوسع، تتقاطع تجربة الصين في التخطيط الخمسي، من حيث الفكرة، مع جهود العديد من الدول العربية في دفع رؤى التنمية متوسطة وطويلة المدى. فلكل دولة مسارها الخاص حسب ظروفها الوطنية، لكن القاسم المشترك هو الإقرار بأن التنمية لا يمكن أن تركز فقط على الحاضر، بل تحتاج إلى ترتيبات مؤسسية تفتح المجال للمستقبل. وتتمثل خبرة الصين في تحويل الأهداف طويلة المدى إلى مراحل خمسية قابلة للتنفيذ والتقييم، بحيث يكون التخطيط «بعيد النظر» و«ثابت الخطى» في آن واحد.


ومع اقتراب نهاية «الخطة الرابعة عشرة» وبداية «الخطة الخامسة عشرة»، فإن فهم منطق الخطط الخمسية في الصين يساعد على استيعاب إيقاع التنمية الصينية واتجاهها المستقبلي. وهذا لا يعد مفتاحًا لفهم الصين فحسب، بل يقدم أيضًا نموذجًا يمكن الرجوع إليه لفهم كيفية تعامل الدول المختلفة مع حالة عدم اليقين في عالم اليوم. ومن هذا المنطلق، فإن الخطة الخمسية ليست مجرد أداة تنموية، بل تعبير عن فلسفة في الحوكمة.