رغدة صفوت تكتب : كيف تصنع المليارات في مهرجان كان ؟
كتب: رغدة صفوت
ا تعتبر "السعفة الذهبية" التي يشتهر بها مهرجان كان السينمائي مجرد قطعة من الذهب والكريستال، بل هي قلب محرك اقتصادي جبار يدعم المهرجان الأهم تاريخيا وعالميا في صناعة الترفيه. وبالبحث الاستقصائي الذي أجرته "الجمهورية" في الأرقام الفرنسية والتقارير المالية لعامي 2024 و2025 نرسم لكم صورة لما وراء بريق العدسات، فبينما تتجه أنظار العالم إلى الدرج الشهير لـ "قصر المهرجانات"Palais des Festivals لمراقبة أحدث صيحات الموضة ودموع الفوز، تدور خلف الكواليس ماكينة مالية لا تهدأ.
مهرجان كان السينمائي ليس مجرد احتفالية بالفن السابع، بل هو مؤسسة اقتصادية عابرة للقارات، نجحت على مدار 79 عاما في أن تحول مدينة ساحلية صغيرة إلى مركز مالي عالمي لمدة 12 يوماً، محققة عوائد اقتصادية تجاوزت في عام 2024 حاجز المليار يورو، وفقاً لبيانات "غرفة التجارة والصناعة" في إقليم "الألب ماريتيم" الفرنسي.

اقتصاد "البرستيج"
لا يقتصر الربح في "كان" على مبيعات تذاكر الأفلام أو صفقات التوزيع، بل يمتد إلى صناعة الصورة، ووفقاً لأحدث التقارير الاقتصادية والصحفية الفرنسية، تحديداً تقارير Le Figaro وDossier de Presse 2025، يمثل ميزانية مهرجان كان ومداخيله هيكلاً مالياً فريداً يمزج بين التمويل الرسمي والنشاط التجاري. فتبلغ ميزانية تنظيم المهرجان لعام 2025 حوالي 35 مليون يورو بحسب CreditNews الفرنسي، هذه الميزانية قفزت من حوالي 30 مليون يورو في السنوات السابقة لتصل إلى هذا الرقم القياسي لتغطية تكاليف التنظيم، الأمن، والتقنيات الرقمية الجديدة. بينما يتجاوز حجم الايرادات، أو العائد الاقتصادي -بحسب التقرير الرسمي الصحفي لقصر المهرجانات- أكثر من مليار يورو سنويا، ما بين إيرادات الرعاية والشراكات التي تساهم في الميزانية الأصلية بنحو 17.5 مليون يورو، وإيرادات تجارية تشمل مبيعات "بوتيك الهدايا" وحقوق البث، ورسوم "سوق الفيلم". بينما بقية الميزانية تأتي من الدعم الحكومي، حوالي 17.5 مليون يورو، مصدرها من وزارة الثقافة الفرنسية، مدينة كان، وإقليم "ألب كوت دازور".

العائد الاقتصادي الكبير أيضا يشمل الأرباح التي يحققها قطاع الفنادق، والذي يصل لوحده 20% من هذا المليار يورو. وذلك خلال أسبوعي المهرجان فقط !
أما إيرادات سوق الفيلم أو الصفقات التي تتم فيه فتبلغ 750 مليون يورو بحسب تقرير Marché du Film / Boxoffice Pro. وهذه الأرقام توضح الفارق الشاسع بين ما ينفقه المهرجان كتنظيم وبين الملايين التي يولدها في كواليس الصناعة والسياحة.

المهرجان كعلامة
بالنظر الى نموذج صغير من نماذج أرباح المهرجان، يمثل بوتيك الهدايا الرسمي مثالا مصغراً لذكاء المهرجان في تحويل اسمه إلى "براند" عالمي. وفقاً لتقارير صحيفة من Le Figaro الاقتصادية، حيث نجح المهرجان في رقمنة مبيعاته عبر متجر إلكتروني يعمل على مدار العام، مستهدفاً جمهوراً لا يستطيع الوصول لشارع الكروازيت الشهير حيث مقر المهرجان وصالات السينما العديدة تبعه. وتعتمد استراتيجية البوتيك على الندرة والجودة. ومثال على ذلك الملصق الرسمي للمهرجان الذي يُباع بمتوسط من 25 إلى 50 يورو، وهو ليس مجرد ورقة؛ بل قطعة فنية يقتنيها الآلاف سنوياً.
هذا العام، وقبل اسبوعين فقط من انطلاق النسخة الأحدث من المهرجان الشهير، وبحسب تقارير Nice-Matin، فقد شهدت المنتجات التي تحمل شعار "صنع في فرنسا" إقبالاً تاريخياً، حيث يفضل الزوار دفع مبالغ إضافية مقابل منتجات مستدامة تعكس الأناقة الفرنسية، مما يرفع هوامش الربح ويقلل من تكاليف الاستيراد واللوجستيات.

من الذي يمول كان ؟
يُدار مهرجان كان بواسطة "الجمعية الفرنسية للمهرجان الدولي للفيلم"، وهي منظمة غير ربحية، لكن ميزانيتها تعكس توازناً دقيقاً. ووفقاً لموقع Public Sénat الفرنسي، تأتي نصف الميزانية من الأموال العامة ممثلة في وزارة الثقافة، مدينة كان، وإقليم بروفانس، بينما يأتي النصف الآخر من الرعاة، وهنا تكمن اللعبة الكبرى؛ شركات كبيرة مثل الشريك الرسمي للنقل او علامة مكياج فرنسية شهيرة مثل L'Oréal Paris لا تدفع فقط مقابل وضع شعارها، بل تدفع مقابل "الارتباط الذهني" بالطبقة المخملية. وهذه الشراكات ليست مجرد عقود إعلانية، بل هي تمويلات ضخمة تغطي تكاليف إقامة النجوم، تأمين السجادة الحمراء، والخدمات التقنية المتطورة.
قائمة الرعايات والعقود
الأرقام الدقيقة لعقود الرعاية (Sponsorship) تُحاط غالباً بسرية تجارية كبيرة في فرنسا، حيث لا يتم الكشف عن "قيمة العقد" لكل شركة على حدة في التقارير العامة لـ "الجمعية الفرنسية للمهرجان" (AFIF)
ومع ذلك، من خلال تتبع التقارير المالية لعامي 2025 و2026 والتحليلات الاقتصادية في صحف مثل Le Figaro وStratégies و Les Échos، يمكننا رسم خارطة دقيقة لهيكل هؤلاء الرعاة وتصنيفاتهم حيث يعتبروا كلهم أسماء لامعة في مجالهم ومع ذلك يشاركون في تمويل كان ..
أولاً: قائمة الرعاة الرسميين (Official Partners) لعام 2025/2026
هذه الفئة هي "الممول الأكبر" وتضم الشركات التي ترتبط أسماؤها بهوية المهرجان:
L’Oréal Paris الشريك الرسمي للجمال منذ أكثر من 27 عاماً.
BMW الشريك الرسمي للنقل (تولى المهمة بدلاً من رينو منذ 2022).
Chopard صانع "السعفة الذهبية" الرسمي.
France Télévisions & Brut الشركاء الإعلاميون الرسميون (البث والحقوق الرقمية).
Campari الشريك الرسمي للمشروبات والاحتفالات.
Kering المجموعة المالكة لـ Gucci وYves Saint Laurent عبر برنامج "Women In Motion".
Mastercard الشريك الرسمي للمدفوعات.

ثانياً: كم يدفعون؟
بناءً على التقارير الاقتصادية الفرنسية خاصة Public Sénat وLe Monde، يمكن تقسيم التمويل الخاص والذي يمثل حوالي 17.5 إلى 20 مليون يورو من إجمالي الميزانية، كالتالي:

الرعاة الماسيون (L'Oréal, BMW, Chopard) :
التقديرات : تُقدر مساهمة كل شريك من هؤلاء ما بين 2 إلى 4 ملايين يورو سنوياً.
وهذه المبالغ لا تُدفع دائماً "نقداً"، بل جزء كبير منها يكون مساهمة عينية (In-kind contribution). على سبيل المثال BMW توفر أسطولاً من أكثر من 200 سيارة كهربائية مع السائقين، وشوبارد تقدم السعفة والمجوهرات، ولوريال تتكفل بفريق كامل من خبراء التجميل للنجوم.
الشراكات الإعلامية (France Télévisions) :
وفقاً لتقرير Le Parisien الصادر في أبريل 2026، تتبع "فرنسا تليفزيون" سياسة تقشفية، لكنها تظل الممول الرئيسي للبث. وحقوق البث والإنتاج المشترك تُقدر قيمتها بعدة ملايين من اليوروهات تُدفع لتغطية حفلتي الافتتاح والختام.
الرعاة التقنيون (TikTok, Mastercard, Nespresso) :
يدفع هؤلاء مبالغ تتراوح بين 500 ألف إلى 1.5 مليون يورو. مقابل ذلك، يحصلون على مساحات إعلانية في "قصر المهرجانات" وحق استخدام شعار المهرجان في حملاتهم العالمية.
ثالثاً: لعبة "الارتباط الذهني" (لماذا يدفعون؟)
ذكرت مجلة Stratégies الفرنسية أن العائد على الاستثمار (ROI) للرعاة في كان لا يُقاس بالمبيعات المباشرة، بل بقيمة التعرض الإعلامي أو ظهور شعار الشركة بجانب النجوم على السجادة الحمراء ما يوفر ملايين اليوروهات التي كانت ستُصرف على إعلانات تقليدية.
التحول الأخضر(Green Sponsoring)
في 2025، زادت العقود بنسبة 15% لأن الشركات أصبحت تدفع مبالغ إضافية لربط أسمائها بمبادرات المهرجان البيئية مثل سيارات BMW الكهربائية بالكامل وسجاد المهرجان المعاد تدويره.
رابعاً: سوق الفيلم (الدخل الموازي)
هناك "رعاة" للسوق نفسه مثل J.P. Morgan وهؤلاء يدفعون مبالغ مخصصة لدعم الفعاليات المهنية والندوات، وهي مبالغ تُدرج ضمن أرباح "سوق الفيلم" المنفصلة.

سوق الفيلم وأرباحه
في عام 2025، تشير التقارير إلى أن عقود الرعاية شهدت زيادة بنسبة 15% نتيجة التحول نحو الرعايات التقنية والبيئية. بينما على صعيد آخر متصل تأتي أرباح سوق الفيلم حيث تُطبخ الصفقات المليارية، وإذا كان المهرجان هو "الواجهة"، فإن "سوق الفيلم" هو "المطبخ". فهذا السوق هو الأكبر عالمياً، حيث شارك فيه عام 2024 أكثر من 14,000 مهني من 120 دولة. وفقاً لموقع Boxoffice Pro الفرنسي، والصفقات التي تُبرم في أروقة الطوابق السفلية لقصر المهرجان تتجاوز قيمتها 750 مليون يورو سنوياً.
ولا يربح المهرجان من الصفقات نفسها، بل من رسوم تأجير "ستاند" أو جناح لدولة أو شركة كبرى قد يصل إلى عشرات الآلاف من اليوروهات، بالإضافة إلى رسوم الاعتماد للحاضرين والتي يدفعها آلاف المهنيين للحصول على حق دخول هذه المنطقة الاستراتيجية. إنه الاقتصاد الذي يحول السينما من "رؤية فنية" إلى "سلعة تجارية" رابحة.
أرقام ومصادر
إمبراطورية الكروازيت: هيكل الميزانية والمصادر
الميزانية التشغيلية (35 مليون يورو)
المصدر: تقرير CreditNews France الاقتصادي، وبتأكيد من الميزانية التقديرية المنشورة عبر Public Sénat .
التمويل المختلط (50/50)
17.5 مليون يورو تمويل حكومي، و17.5 مليون يورو من الشركاء والرعاة.
المصدر : الموقع الرسمي للمهرجان Festival de Cannes (Espace Presse) والتقرير المالي السنوي لـ وزارة الثقافة الفرنسية.
جهات التمويل العامة: وزارة الثقافة، مدينة كان (Mairie de Cannes)، إقليم "ألب كوت دازور"، والمجلس الوطني للسينما (CNC).
العائد الاقتصادي الإجمالي (أكثر من مليار يورو)
المصدر: دراسة التأثير الاقتصادي الصادرة عن غرفة التجارة والصناعة CCI Nice Côte d'Azur وتقرير صحيفة Le Figaro الاقتصادية.
التوزيع : يشمل هذا الرقم الصفقات التجارية، السياحة، الضرائب، والخدمات اللوجستية.
سوق الفيلم (Marché du Film)
صفقات تتجاوز 750 مليون إلى مليار يورو، بمشاركة أكثر من 14,000 مهني.
المصدر : النشرة الدورية لـ Marché du Film الرسمية وموقع Boxoffice Pro France.
رسوم الاعتماد تبدأ من 300 يورو وتصل لأرقام مضاعفة للأجنحة المسماة بافليون (Pavillons)، وفقاً لقائمة الأسعار المنشورة في Dossier de Presse الخاص بالسوق.
طفرة الفنادق والأسعار
زيادة الأسعار بنسبة تصل إلى 1000% (من 150 يورو إلى 1500 يورو للغرفة).
المصدر : تحقيق استقصائي لصحيفة Libération حول "اقتصاد الموسم" وتحليلات موقع Nice-Matin المحلي.
قطاع الفنادق يستحوذ وحده على حوالي 20% من إجمالي العائد الاقتصادي للمدينة خلال المهرجان (بحسب فرانس 24 - النسخة الفرنسية).
الرعايات التجارية (الزيادة بنسبة 15%)
نمو عقود الرعاية بنسبة 15% في 2025.
المصدر : تقرير مجلة Stratégies الفرنسية المتخصصة في التسويق والإعلان، والتي رصدت تحول الشركات نحو "الرعاية الخضراء والتقنية".
القوة العاملة والوظائف
توفير 3000 وظيفة مؤقتة مباشرة.
المصدر : بيانات Pôle Emploi (وكالة التشغيل الفرنسية) في إقليم "الألب ماريتيم"، وتقرير بلدية كان السنوي.
سعر السجادة الحمراء
تشير تقارير Le Monde إلى أن السجادة تُغير مرتين إلى ثلاث مرات يومياً، وهي مصنوعة من مواد معاد تدويرها بنسبة 100% تماشياً مع "ميثاق البيئة" الجديد الذي تتبناه إدارة المهرجان.
بالبحث في أرشيف التقارير الاستقصائية الفرنسية (مثل Le Monde وBrut وNice-Matin)، هناك أرقام موثقة حول "تكلفة الهيبة" لهذه السجادة وتفاصيلها الفنية، فالسجادة الحمراء تغطي 60 درجة (سلم قصر المهرجانات) بطول إجمالي يصل إلى حوالي 2 كيلومتر طوال فترة المهرجان، حيث يتم تغييرها 3 مرات يومياً
المصدر : Brut France في تقرير "4 أشياء يجب معرفتها عن سجادة كان.
التكلفة التقديرية : لا يوجد رقم رسمي معلن للفاتورة النهائية، لكن تقارير صحفية فرنسية (مثل Le Figaro ) تشير إلى أن تكلفة المنسوجات واللوجستيات المرتبطة بالسجادة والزينة الخارجية للقصر تدخل ضمن ميزانية "التجهيزات الفنية" التي تتجاوز مئات الآلاف من اليوروهات سنوياً.
الاستدامة : منذ عام 2021، أعلن المهرجان عن تقليل وزن السجادة بنسبة 50% لتوفير 1400 كيلوغرام من المواد، وهي الآن قابلة لإعادة التدوير بنسبة 100% لتستخدم في قطاعات السيارات والبناء
المصدر: تقرير الاستدامة الرسمي Festival de Cannes - RSE
الجانب المظلم للثراء: التضخم السنوي لمدينة كان
لكن هذا الرخاء له ضريبة. فنجد تحقيق لصحيفة Libération الفرنسية، كشف عن القفزات الجنونية في الأسعار داخل المدينة خلال شهر مايو. بداية من الفنادق التي يبلغ سعر الغرفة فيها 150 يورو في الليلة في الشتاء، ولكنها بقدرة قادر تقفز إلى 1500 يورو وما فوق، خلال اسبوعي المهرجان. وحتى "الساندوتش" البسيط في شوارع المدينة الخلفية يتضاعف سعره ثلاث مرات.
مدينة كان تجني من الضرائب السياحية ورسوم إشغال الأماكن العامة مبالغ خيالية، لكن في نفس الوقت يعاني السكان المحليين من "إغلاق المدينة" وتحولها إلى حصن للأثرياء. ومع ذلك، يظل المهرجان هو "رئة الأوكسجين" للاقتصاد المحلي، حيث يوفر أكثر من 3000 وظيفة مؤقتة مباشرة وغير مباشرة سنوياً.
في النهاية، يثبت مهرجان كان عاماً بعد عام أنه أكثر من مجرد منصة للأفلام الاستعراضية. إنه نموذج فرنسي فريد لكيفية استثمار الثقافة لتحقيق الهيمنة الاقتصادية. بين "بوتيك الهدايا" الذي يبيع الحلم الصغير، و"سوق الفيلم" الذي يبيع المليارات، تظل "كان" هي المكان
الذي تلتقي فيه الفنون بالجيوب، وتتحول فيه السينما إلى أثمن عملة في العالم.
المصدر: موقع الجمهورية


