Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

حسن عيسى يكتب: شادية صوت مصر 

 كتب:  حسن عيسى
 
حسن عيسى يكتب: شادية صوت مصر 
شادية
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
شادية لا تحتاج إلى لقب كي يثبت مكانها في وجدان المصريين، لأنها كانت هي اللقب نفسه؛ نبضهم الذي عاش معهم لحظة بلحظة، تشهد على الأحداث الكبرى التي مرّ بها الوطن، وترافق تفاصيل حياتهم الصغيرة… من «مكسوفة» و«على عش الحب» ودبلة الخطوبة، إلى حلقات السبوع، ورجالات البيت، ورحلة العمر، وصولًا إلى لحظات الوداع والهجرة والانكسار. عاش صوتها حاضرًا في أفراحهم وأحزانهم، وبقي دليلًا على أن الفن الصادق لا يُصنع في مكاتب السلطة، بل يولد من القلب ليصل إلى القلوب.
 
لم تكن شادية مجرد مطربة تغرد من فوق المسرح، بل كانت ابنة المصريين التي كبرت بينهم حتى صارت أمهم، تغني معهم ولهم، وتترجم مشاعرهم في الانكسار والانتصار، في الحزن والفرح، في الحب والوداع. اختياراتها الغنائية منحتها مصداقية نادرة ومحبة صافية؛ لأنها كانت تغني ببساطة وعذوبة بلا تشنج أو استعراض، فدخلت القلوب بلا استئذان.
 
وحين كتب لها صلاح جاهين أغنيتها «الأولى مصر… والتانية مصر»، كان كأنه يمنحها بطاقة الهوية الفنية. شادية كانت الفنانة التي تستطيع أن تجعل الأغنية الوطنية أغنية عاطفية، لأنها كانت تغني بإحساس حيّ يجعل المستمع يشعر أنه جزء من اللحظة. لم يمنحها المصريون لقب «صوت مصر» لأنها الأقوى صوتًا، ولا لأنها الوحيدة في زمن مزدحم بعمالقة مثل أم كلثوم وعبد الحليم ونجاة وفايزة، بل لأنها كانت التعبير الأكثر صدقًا عن مشاعر المصريين أنفسهم. غنّت للشهيد وللابن وللحبيب، كما غنت للنيل والقمح والأرض.
 
قدّمت نحو خمس وسبعين أغنية وطنية لمصر، لكنها لم تغنِّ يومًا لحاكم أو تمجّد رئيسًا، فبقيت منحازة للوطن لا للسلطة، ولهذا عاش اللقب… لأنه خرج من القلوب لا من قرار رسمي أو حملة إعلامية.
 
وحين هتفت: «يا حبيبتي يا مصر»، كان الاسم الرسمي للدولة هو «الجمهورية العربية المتحدة»، ورغم ذلك انتفضت القلوب فرحًا بسماع اسم مصر في الغناء، والتصقت الأغنية بالوجدان كأنها نشيد وطني شعبي. وحين جاءت النكسة، اختارت أن تكون صوت الوجع الصريح؛ لم تقدّم قصائد تمجيدية ولا خطابات مزيّنة، بل قالت: «يا أم الصابرين» بصدق يعبّر عن حال بلد كامل.
 
وفي مأساة بحر البقر، حين سال دم الأطفال على الكراسات، رفضت أن تقف في صف التعبئة، بل وقفت في صف الحداد. أغنيتها «الدرس انتهى لمّوا الكراريس» لم تكن أغنية، بل جرحًا مفتوحًا يذكّر بأن دمعة طفل أصدق من ألف بيان. ومع لحظة العبور في أكتوبر، هتفت: «عبرنا الهزيمة»، ثم حين عادت سيناء، طارت من الفرح وهي تقول: «مصر اليوم في عيد»، فأصبحت الأغنية وثيقة وجدانية للانتصار. وتوالت بعدها أغانيها الوطنية مثل «أقوى من الزمان» و «وحياة رب المداين».
 
أسطورة شادية لم تُصنع بالصدفة. كتبتها في كل مرحلة من حياتها، وحين اختارت الاعتزال، التزمت به بلا رجوع، لم تتاجر بقرارها، ولم تبحث عن ضوء إضافي، ولم تهاجم الفن أو تسيء لزملائها، ولم تتحول إلى صاحبة فتاوى أو برامج تُصنع للجدل. اختارت الصمت النظيف والعزلة الهادئة… ورحلت كما عاشت: في احترام يليق بتاريخها.
 
في ذكراها، يبقى صوت شادية حاضرًا كـ«صوت مصر»… لا بوصفه لقبًا، بل كحقيقة ترسخت في الذاكرة الجماعية.
هألف سلام لروح الست شادية.