هالة الدمراوي تكتب الضوضاء فى "الوادى" لا تصل إلي "الهضبه"!
كتب: هاله الدمراوى
في المشهد الموسيقي العربي الممتد لأكثر من أربعين عامًا، يظل النجم الكبير عمرو دياب "الهضبة" مدرسة متكاملة ليس فقط في صياغة الموسيقى، بل في إدارة الأزمات الفنية والتعامل مع المنصات النقدية والجدل السنوي الذي يرافق كل مشروع جديد يطرحه. وبينما ينشغل الآخرون بالردود التلفزيونية والمهاترات على منصات التواصل الاجتماعي، يتبنى عمرو دياب إستراتيجية ممتدة منذ بداياته في الثمانينات وحتى ألبومه الأحدث "حبيتك": الصمت الإعلامي "المطلق" والرد من داخل الأستوديو...
يتجلى هذا المبدأ بوضوح في فيديو كليب أغنيته الجديدة "لولا البنات"، التي تحولت إلى رد فني مبهج ومصنوع بإحترافية بصرية وموسيقية فائقة، يثبت بها مجدداً أن عمله المبتكر كفيل بإنهاء أي جدل وتصدر التريند في دقائق معدودة.
أربعة عقود من الهجوم.. والصمت هو الجواب طوال مشواره الفني، واجه عمرو دياب حملات تشكيك دورية؛ فمع كل قفزة موسيقية كان يقدمها، كان يواجه بإتهامات التخلي عن الأصالة أو تكرار الذات.
وفي العقد الأخير، تحول النقد أحيانًا إلى "تربص" بإطلالاته، أو إختياراته الشخصية، وحتى تفاصيل بوسترات ألبوماته. لكن المثير في ظاهرة عمرو دياب هو "تفكيكه" الكامل لأدوات الهجوم؛ فلم يُسجل له التاريخ الدخول في معارك كلامية، أو كتابة منشورات دفاعية غاضبة. فلسفته واضحة: الوقت المهدور في الكلام هو وقت مستقطع من التفكير في الموسيقى القادمة!
إنه يتعامل مع منتقديه كحافز خفي لإعادة تشكيل نفسه؛ فإذا انتقدوا لحنًا، باغتهم بجملة لحنية أكثر تعقيدًا وبساطة في آن واحد، وإذا هاجموا مظهرًا، حوّل "النيولوك" التالي إلى الموضة الرسمية للشباب في الوطن العربي؛ "يقولوا ده عجز، يصبغ شعره أبيض!!!"
جاءت أغنية "لولا البنات" لتكون التجسيد العملي الأحدث لهذه الفلسفة. لم يستعن الهضبة في هذا العمل بملحن آخر، بل تولى عمرو بنفسه وضع الرؤية اللحنية للأغنية، ليعيد تقديم فكرة المزج المتقن والذكي بين الفولكلور المصري الأصيل والإيقاع الصيفي المعاصر. صاغ كلمات الأغنية الشاعر مصطفى البرنس معتمدًا على مفردات رشيقة وشعبية خفيفة تثمن مكانة المرأة بروح مرحة مثل قوله:“لولا البنات يا ولا لولا البنات، كان بار الورد يا ولا في الدكانات”. وقد منح لحن عمرو دياب هذه الكلمات "أجنحة" إيقاعية سريعة، وزاد من قوتها التوزيع العصري للموزع أحمد إبراهيم، مما جعلها تخرج من إطار الأغنية التقليدية لتصبح حالة إحتفالية مبهجة تتناقلها الأجيال.
طارق العريان.. المخرج اللي طول عمره "مالوش زى" وصانع اللوحات الفنية "الفخمه" أوى فى كل أغنياته. فلا يمكن فصل هذا النجاح الموسيقي عن الصورة المبهرة التي قدمها طارق العريان، والذي يجمعه بالهضبة تاريخ ممتد وسلسلة نجاحات "أيقونية" غيرت مفهوم الأغنية المصورة في العالم العربي لأكثر من 30 عامًا. في كليب "لولا البنات"، لم يقدم العريان مجرد تتابع للمشاهد الراقصة، بل صمم الكليب كمجموعة من اللوحات الفنية التشكيلية الشبيهة بالبورتريه المبهج. ونجح في أخذ المشاهد في رحلة بصرية ساحرة، بدأت من دفء التراث الريفي والصعيدى المصري الأصيل ببساطته وألوانه الدافئة، ثم إنتقلت بسلاسة مدهشة نحو حداثة المدينة وأجواء الساحل الشمالي بكل تفاصيله المعاصرة. ركزت عدسة العريان على الوجوه المبتسمة، والإضاءة الصيفية الساطعة التي تبرز طاقة الفرح. كل كادر في الكليب بدا وكأنه بورتريه مرسوم بعناية، يفيض بالطاقة الإيجابية ليجعل المشاهد شريكًا في هذه الحالة النفسية المبهجة. تداخلت الملابس الملونة المتناسقة وحركات المجاميع الإستعراضية لتخدم الإيقاع الموسيقي الذي وضعه الهضبه، مما خلق توازنًا بصريًا مذهلًا يجمع بين الفولكلور والمودرن.
الخلاصة يؤكد كليب "لولا البنات" أن عمرو دياب لا يلتفت وراءه أبداً. الإنتقادات تذهب جفاءً مع "رغاوى" البحر الصيفي، بينما يبقى فنه المتجدد شكلاً وموضوعاً ولحناً وأداءً باقياً ثابتاً مستقراُ كالهضبه !


