Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

أيمن نور الدين يكتب : «زوروني كل سنة مرة».. رائعة سيد درويش ولو كرهت أصالة

 كتب:  الكاتب الصحفي أيمن نور الدين
 
أيمن نور الدين يكتب : «زوروني كل سنة مرة»..  رائعة سيد درويش ولو كرهت أصالة
الكاتب الصحفي ايمن نور الدين
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
 
 
منذ ظهورها في الذاكرة الغنائية العربية، ارتبطت أغنية «زوروني كل سنة مرة» باسم الموسيقار المصري سيد درويش، وظلت واحدة من أشهر ألحانه وأكثرها انتشارًا، قبل أن يعود الجدل في السنوات الأخيرة حول أصل اللحن، مع آراء تنسبه إلى التراث الشامي، وأخرى تربطه بالموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي.
 
لكن العودة إلى الروايات والشهادات الأقرب إلى زمن ظهور الأغنية تكشف أن اسم سيد درويش ارتبط بها مبكرًا وبصورة واضحة، وليس باعتباره اسمًا أُلحق بها بعد سنوات طويلة.

 
وتعود واحدة من أهم الروايات إلى عام 1917، عندما كان المطرب حامد مرسي يعمل مع فرقة جورج أبيض في الإسكندرية. ووفقًا لما نُقل عن حامد مرسي، فقد التقى سيد درويش، وتعلم منه أغنية «زوروني كل سنة مرة»، ثم قدمها في عروض الفرقة. وتكتسب هذه الرواية أهمية كبيرة لأن حامد مرسي كان من أوائل من أدوا الأغنية، بل تذكر مصادر تاريخية أنه كان أول من غناها في مصر.
 
ولم تبق الأغنية حبيسة تجربة حامد مرسي، وإنما انتقلت سريعًا إلى مجموعة من كبار مطربي ذلك العصر، من بينهم زكي مراد، وفتحية أحمد، وصالح عبد الحي، وحبيبة مسيكة، ثم واصل حضورها في أجيال تالية مع كارم محمود، وإبراهيم حمودة، وإسماعيل شبانة وغيرهم، قبل أن تنتقل إلى أصوات عربية شهيرة مثل فيروز وصباح فخري، ثم أعاد تقديمها لاحقًا عدد كبير من المطربين، ومن بينهم إيمان البحر درويش.
 
وتكتسب هذه السلسلة أهمية خاصة؛ لأنها تكشف أن الأغنية دخلت مبكرًا إلى قلب الغناء المصري وهي مرتبطة باسم سيد درويش، وانتقلت من مطرب إلى آخر باعتبارها من ألحانه، وليس باعتبارها أغنية شعبية مجهولة المؤلف.
 
أما الرواية التي تربط اللحن بالملا عثمان الموصلي، فتستند إلى الحديث عن لحن ديني قديم يحمل صيغة قريبة من «زر قبر الحبيب مرة»، وإلى العلاقة الفنية التي جمعت سيد درويش بالموصلي خلال رحلة درويش إلى الشام. وهي رواية تستحق الدراسة، لكنها لا تقدم في حد ذاتها دليلًا على أن «زوروني كل سنة مرة» فلكلور شامي.
 
بل إن نسبة اللحن إلى الملا عثمان الموصلي تحديدًا تضعنا أمام رواية مختلفة تمامًا؛ فالموصلي موسيقار عراقي من الموصل، وبالتالي فإن الربط بينه وبين اللحن لا يساوي بأي حال القول إنه «تراث سوري» أو «فلكلور شامي».

 
كما أن مجرد وجود لحن ديني أو صيغة موسيقية قريبة لا ينفي نسبة «زوروني» إلى سيد درويش، خاصة أن الألحان العربية في تلك الفترة كانت تتداخل وتتقاطع في المقامات والإيقاعات والجمل الموسيقية. والأهم أن تحويل مادة موسيقية إلى أغنية جديدة وصياغتها في قالب مختلف يمكن أن يمثل عملاً إبداعيًا مستقلاً يُنسب إلى من قام بهذه الصياغة.
 
وهنا تبرز نقطة أساسية في الجدل: إذا كان هناك من يرى أن «زوروني» فلكلور شامي، فأين الوثيقة أو التسجيل أو النوتة الموسيقية التي تثبت وجود اللحن نفسه بهذه الصيغة قبل عام 1917؟
 
فمجرد تشابه لحن مع عمل شامي أو عراقي لا يكفي لإثبات المصدر التاريخي، خصوصًا أن أغنية «زوروني» ظهرت في مصر مبكرًا جدًا، وارتبطت منذ بدايتها بسيد درويش وبأصوات مطربين عاصروه أو اقتربوا زمنيًا من عصره.
 
كما أن وجود تسجيلات أو روايات عن أعمال مشابهة ظهرت في عشرينيات القرن العشرين لا يمكن استخدامه وحده لإثبات أنها سبقت «زوروني» التي ارتبط ظهورها المصري بعام 1917. فالترتيب الزمني هنا عنصر حاسم في تحديد أصل أي عمل موسيقي.
 
وتزداد قوة الرواية المصرية مع ما أعلنته جمعية المؤلفين والملحنين المصرية من أن «زوروني كل سنة مرة» موثقة ومسجلة باسم سيد درويش، وهو توثيق مؤسسي ينسجم مع الرواية التاريخية المتداولة منذ بدايات انتشار الأغنية.
 
وبالنظر إلى التسلسل التاريخي، فإن نسبة «زوروني كل سنة مرة» إلى سيد درويش تستند إلى ظهور مبكر موثق في مصر، وإلى شهادة حامد مرسي الذي ارتبط بأولى مراحل تقديمها، وإلى سلسلة طويلة من المطربين الذين تناقلوا الأغنية باعتبارها من ألحانه، فضلًا عن استمرار توثيقها باسمه في المصادر الموسيقية والمؤسسات المختصة.
 
أما الروايات التي تقدمها باعتبارها «فلكلورًا شاميًا» أو تنفي عنها صلتها بسيد درويش، فهي تحتاج إلى دليل تاريخي مباشر يثبت وجود اللحن نفسه قبل ظهوره في مصر وبالصيغة التي عُرفت بها.
 
وبذلك، فإن «زوروني كل سنة مرة» تظل، وفق الرواية التاريخية المرتبطة بظهورها وانتشارها، واحدة من أشهر أعمال سيد درويش وأبرز الألحان التي ارتبطت باسمه في تاريخ الموسيقى المصرية، بينما يظل البحث في جذور بعض عناصر اللحن موضوعًا تاريخيًا وموسيقيًا مشروعًا، لكنه لا يكفي وحده لنزع نسب العمل عن سيد درويش أو تحويله إلى «فلكلور شامي» دون وثيقة أقدم وحاسمة.