Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

الكاميرا في الشارع المصري.. بين فوضى الانتهاك وسلاح الردع المجتمعي

 كتب:  العاصمة
 
الكاميرا في الشارع المصري.. بين فوضى الانتهاك وسلاح الردع المجتمعي
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace
Elasimah AdPlace

في السنوات الأخيرة، أصبح التصوير في الشارع المصري ظاهرة لافتة، مدفوعة بانتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. لم يعد الكاميرا أداة حكرًا على الإعلاميين أو صناع المحتوى، بل صارت في يد كل مواطن تقريبًا. وبينما يرى البعض أن هذا التحول أحدث فوضى بصرية وانتهاكًا للخصوصية، يعتبره آخرون تطورًا إيجابيًا منح المجتمع أداة ردع جديدة ضد المتحرشين والخارجين عن القانون.

من زاوية المنتقدين، يعتقد كثيرون أن التصوير العشوائي في الشوارع بات يتجاوز حدود المقبول. فهناك حالات يتم فيها تصوير أشخاص دون إذنهم، أو اقتطاع مقاطع من سياقها ونشرها بهدف الإثارة أو تحقيق “ترند”. هذا الاستخدام غير المسؤول قد يضر بسمعة أفراد أبرياء، ويخلق مناخًا من التوتر وانعدام الثقة بين الناس. كما أن الخلط بين التوثيق والتشهير أصبح مشكلة حقيقية، خاصة في ظل غياب وعي قانوني كافٍ لدى قطاع من المستخدمين. فليس كل ما يُصوَّر صالحًا للنشر، وليس كل من أخطأ يستحق أن يُحاكَم عبر منصات التواصل قبل الجهات المختصة.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي لعبه التصوير في كشف وقائع تحرش أو اعتداء أو فساد يومي كان من الصعب إثباته سابقًا. كثير من الحوادث التي أثارت الرأي العام في مصر بدأت بمقطع فيديو التقطه مواطن عابر، ثم تحولت إلى قضية رأي عام انتهت بمحاسبة المتورطين. هنا، لعبت الكاميرا دور “الشاهد الصامت” الذي لا يمكن إنكاره، وأسهمت في تعزيز فكرة أن الشارع لم يعد بلا رقيب. هذا الشعور وحده قد يكون رادعًا نفسيًا مهمًا لكل من يفكر في ارتكاب سلوك خارج عن القانون.

كما أن التصوير منح الفئات الأضعف صوتًا لم يكن متاحًا من قبل. فالمرأة التي تتعرض للتحرش، أو العامل الذي يُساء معاملته، أو المواطن الذي يتعرض لظلم ما، صار بإمكانه توثيق ما يحدث ومشاركته مع العالم. هذا التحول أعاد بعض التوازن في معادلة القوة، وخلق نوعًا من الرقابة المجتمعية التي قد تساند جهود الدولة في فرض القانون. ومع ذلك، فإن هذه القوة نفسها قد تنقلب إلى سلاح خطير إذا استُخدمت بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية.

الحقيقة أن المسألة ليست أبيض أو أسود. التصوير في الشارع ليس فوضى مطلقة، ولا هو حل سحري لكل المشكلات. هو أداة، وقيمة الأداة تتحدد بكيفية استخدامها. حين يكون الهدف هو التوثيق المسؤول والإبلاغ عن تجاوزات حقيقية، يصبح التصوير فعلًا إيجابيًا يخدم المجتمع. أما حين يتحول إلى وسيلة للتشهير أو التنمر أو صناعة المحتوى الرخيص، فإنه يهدد السلم الاجتماعي وينتهك حقوق الأفراد.

لذلك، ربما يكون الحل في نشر ثقافة الوعي قبل فرض القيود. وعي قانوني يوضح متى يحق التصوير ومتى يصبح جريمة، ووعي أخلاقي يذكر الناس بأن الكرامة الإنسانية لا تقل أهمية عن كشف الخطأ. كما أن دور الإعلام والمؤسسات التعليمية مهم في ترسيخ فكرة أن النشر مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الفعل نفسه.

في النهاية، الكاميرا ليست عدوًا ولا بطلاً. هي مرآة تعكس نوايا مستخدمها. فإذا أحسن المجتمع توجيه هذه الأداة، يمكن أن تكون درعًا يحمي الضعفاء ويردع المخطئين. أما إذا تُركت بلا وعي أو ضوابط، فقد تتحول إلى مصدر فوضى لا تقل خطورة عن الجرائم التي يُراد كشفها. وبين هذين الحدين، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الإنسان قبل أي شيء آخر.